السيد محمد حسين فضل الله
56
من وحي القرآن
رسل اللّه في إخلاصهم وجهادهم ويمر القرآن ، في هذه الآيات على مجموعة من الأنبياء بطريقة سريعة ، تعطي لمحة خاطفة عن صفة روحية ، أو أخلاقية أو رساليّة في حياتهم الخاصة والعامة ، من أجل أن نتمثلهم في درجاتهم العليا ، في مستوى القدوة الصالحة للبشرية الآتية من بعدهم ، الباحثة عن النموذج الأفضل الذي يوحي بميلاد عصر جديد على مستوى الرسالة والحركة والإنسان . وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى هذا النبي العظيم الذي عاش تحدّيا كبيرا في رسالته أمام فرعون ، وتعرض لأكثر من حالة اضطهاد مع المستضعفين ولم يتراجع ، ولم يهن ، بل بقي مثابرا على دعوته ومهمته حتى استطاع أن يهزم الطاغية في نهاية المطاف . . وبذلك يكون تذكّره حافزا للعاملين على المزيد من الاندفاع في الدعوة ، والثبات في مواقع الرسالة ، إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً أخلصه اللّه لنفسه فلم يكن فيه شيء لغيره ، لا في نفسه ولا في عمله ، تتمثل فيه العبودية الخالصة للّه في أعلى الدرجات وأرفع المستويات ، وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا حمله اللّه الرسالة في خط الدعوة ، ورزقه النبوة في حركة الوحي . وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ في أول لقاء له بالوحي المنطلق من اللّه ، في ذلك الجبل الذي كلمه اللّه فيه ، في الجانب الأيمن منه ، وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا وناجاه فيه كأسلوب من أساليب الإيحاء بالقرب المعنوي من اللّه . وقد تميّز عن الأنبياء بأن قرن اللّه به هارون أخاه في موقف النبوة ، وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا التي أردنا بها أن نقوي موقعه ونشد أزره ، فأرسلنا معه أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا بعد أن سأل ربه أن يجعله وزيرا له ، وأن يشركه في أمره ، ليقوي به موقفه الثابت ويبعده عن مواقع الاهتزاز أمام نقاط الضعف العملي على أكثر من صعيد .